الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

454

تفسير روح البيان

ان يكون له أصل أو شبهه أصل ثم قالوا بَلْ هُوَ شاعِرٌ وما اتى به شعر يخيل إلى السامع معاني لا حقيقة لها وهذا شأن المبطل المحجوج متحير لا يزال يتردد بين باطل وأبطل فالاضراب الأول كما ترى من جهته تعالى والثاني والثالث من قبلهم * قال الراغب شعرت أصبت الشعر ومنه استعير شعرت كذا اى علمت علما في الدقة كإصابة الشعر قيل وسمى الشاعر لفطنته ودقة معرفته فالشعر في الأصل اسم للعلم الدقيق في قولهم ليت شعري وصار في التعارف اسما للموزون المقفى من الكلام والشاعر للمختص بصناعته وقوله تعالى حكاية عن الكفار بَلْ هُوَ شاعِرٌ كثير من المفسرين حملوه على أنهم رموه بكونه آتيا بشعر منظوم مقفى حتى تأولوا عليه ما جاء في القرآن من كل لفظة تشبه الموزون من نحو قوله وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ وقوله تعالى تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ * وقال بعض المحققين لم يقصدوا هذا المقصد فيما رموه به وذلك أنه ظاهر من هذا الكلام انه ليس على أساليب الشعر ولا يخفى ذلك على الاغتام من العجم فضلا عن بلغاء العرب وانما رموه بالكذب فان الشعر يعبر به عن الكذب والشاعر الكاذب حتى سموا الأدلة الكاذبة بالشعر ولكون الشعر مقر الكذب . قيل أحسن الشعر أكذبه وقال بعض الحكماء لم ير متدين صادق اللهجة مفلقا في شعره در قيامت نرسد شعر بفرياد كسى * كر سراسر سخنش حكمت يونان كردد « 1 » واما قول صاحب المثنوى از كرامات بلند أوليا * أولا شعرست وآخر كيميا فالمراد به القدرة على إنشاء الكلام الموزون وليس من مقتصاها التكلم فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ جواب شرط محذوف يفصح عنه السياق كأنه قيل وان لم يكن كما قلنا بل كان رسولا من اللّه فليأتنا بآية جليلة كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ اى مثل الآية التي أرسل بها الأولون كاليد والعصا واحياء الموتى والناقة ونظائرها حتى نؤمن به فما موصولة وعائدها محذوف ومحل الكاف الجر على أنها صفة الآية ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ قبل مشركي مكة مِنْ قَرْيَةٍ اسم للموضع الذي يجتمع فيه الناس اى من أهل قرية وهو في محل الرفع على الفاعلية ومن مزيدة لتأكيد العموم أَهْلَكْناها اى باهلاك أهلها لعدم ايمانهم بعد مجيئ ما اقترحوه من الآيات صفة لقرية أَ فَهُمْ يُؤْمِنُونَ الهمزة لانكار الوقوع والفاء للعطف على مقدر . والمعنى انه لم تؤمن أمة من الأمم المهلكة عند إعطاء ما اقترحوه من الآيات أهم لم يؤمنوا فهؤلاء يؤمنون لو أجيبوا إلى ما سئلوا وأعطوا ما اقترحوا مع كونهم أعتى منهم واطغى كما قال تعالى أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ يعنى ان كفاركم مثل أولئك الكفار المعدودين قوم نوح وهود وصالح ولوط وآل فرعون فهم في اقتراح تلك الآيات كالباحث عن حتفه بظلفه : قال حسان بن ثابت رضى اللّه عنه ولا تك كالشاة التي كان حتفها * بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا وأصله ان رجلا وجد شاة وأراد ذبحها فلم يظفر بسكين وكانت مربوطة فلم تزل تبحث

--> ( 1 ) لم أجد في المثنوى فليراجع